تمثل المذكرة الوزارية رقم 116 لسنة 2008 محطة تحوّل نوعية في مسار تدريس اللغة الأمازيغية بالمغرب، حيث تهدف إلى تعميم تدريس هذه اللغة في التعليم الابتدائي بشكل عملي ومنظم بعد استكمال إعداد المنهاج والكتب المدرسية إلى السنة السادسة. هذه المذكرة الانتقالية تُمكّن من الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم الشامل، مُرسيةً بذلك الإطار التنظيمي والبيداغوجي الشامل لتعميم الأمازيغية قبل مرحلة 2009-2013 وما بعدها.
الغايات الأساسية للمذكرة
حددت المذكرة الوزارية رقم 116 أهدافاً استراتيجية واضحة لتعميم تدريس الأمازيغية. أول هذه الأهداف هو توسيع تدريس الأمازيغية ليشمل جميع مؤسسات التعليم الابتدائي، سواءً العمومي أو الخصوصي، مما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من المنظومة التعليمية الوطنية. الهدف الثاني يتمثل في تنظيم التعميم عبر مستويات التعليم بشكل تدريجي ومنظم، يضمن الانتقال السلس من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم.
أما الهدف الثالث فيركز على ضمان التأطير البيداغوجي والإداري لتدريس الأمازيغية، من خلال هياكل مؤسساتية واضحة وآليات تنظيمية فاعلة. بينما الهدف الرابع والأخير هو دعم جودة التدريس من خلال التكوين المستمر للمدرسين، والمراقبة البيداغوجية، وتتبع التقويم. هذه الأهداف مجتمعة تسعى إلى إرساء تعليم نوعي للغة الأمازيغية يحفظ حقوق المتعلمين ويكفل جودة المخرجات.
الإجراءات التنظيمية والهيكلية
اللجان والتنسيق المؤسساتي
نصت المذكرة على إحداث خلايا للتنسيق والمتابعة على ثلاثة مستويات: خلايا جهوية، إقليمية، ومحلية. هذه الخلايا تتولى مهمة متابعة عملية التعميم، والتكوين المستمر للمدرسين، والتقويم البيداغوجي. تعمل هذه الهياكل بشكل تنسيقي لضمان تنفيذ سليم لتعميم تدريس الأمازيغية، مع توفير الدعم اللازم للمؤسسات التعليمية والأساتذة.
الموارد البشرية والتكوين
أولت المذكرة أهمية قصوى للجانب البشري، حيث نصت على تخصيص أساتذة متخصصين لتدريس الأمازيغية، مع إمكانية تكليف أستاذ واحد بتدريس مادة الأمازيغية في مؤسسة أو أكثر حسب الحاجة والكثافة. كما نظمت برنامجاً تكوينياً مكثفاً يشمل 3 دورات تكوينية سنوياً، مدة كل دورة 5 أيام، تغطي الجوانب البيداغوجية والديداكتيكية. ولم تنسَ المذكرة تكوين الإدارة التربوية (المديرين) والمفتشين لضمان فهمهم لمتطلبات تدريس الأمازيغية ودعمهم للعملية.
الزمن المدرسي وتنظيم الحصص
اعتمدت المذكرة 3 ساعات أسبوعياً لتدريس الأمازيغية في كل المستويات، موزعة على 6 حصص مدة كل منها 30 دقيقة. هذا التوزيع الزمني يوفر تكراراً كافياً للتعلم مع مراعاة القدرات الذهنية للمتعلمين الصغار. كما وضعت المذكرة صيغتين وظيفيتين لدمج الأمازيغية في استعمالات الزمن: الصيغة الوظيفية الأولى والصيغة الوظيفية الثانية، مع تقديم جداول تفصيلية توضح كيفية التطبيق العملي (من الصفحة 10 إلى الصفحة 25 من المذكرة الأصلية).
المنهاج الدراسي والأطر الديداكتيكية
بني منهاج الأمازيغية على أسس تربوية حديثة ترتكز على ثلاثة محاور أساسية: التربية على القيم، تنمية الكفايات، والتربية على الاختيار. خصصت المذكرة 34 أسبوعاً دراسياً سنوياً، موزعة على 24 أسبوعاً للدراسة الأساسية، و8 أسابيع للدعم والتقويم. اعتمد المنهاج نظام الوحدات الديداكتيكية المبنية على المقاربة بالكفايات، مع تخصيص حصص للدعم والمراجعة لضمان تجاوز الصعوبات التعلمية.
الأبعاد التربوية والبيداغوجية
تمثل المذكرة 116/2008 نقلة نوعية في التعامل مع اللغة الأمازيغية كلغة وطنية تحتاج إلى إطار مؤسساتي وبيداغوجي متكامل. من خلال تنظيمها للزمن المدرسي، وهيكلتها للتكوين، وتحديدها للمنهاج، تكون المذكرة قد وضعت الأسس العملية لتعليم فعال للغة الأمازيغية. هذا الإطار لم يقتصر على الجانب التنظيمي فقط، بل شمل أيضاً الجوانب البيداغوجية من خلال اعتماد مقاربات تعلمية حديثة تراعي الخصائص النمائية للمتعلمين.
على المستوى العملي، ساهمت المذكرة في توحيد الجهود وتنسيقها بين مختلف الفاعلين التربويين، من خلال خلايا التنسيق على المستويات الثلاثة. كما وفرت للمدرسين إطاراً واضحاً للعمل، مع ضمان حصولهم على التكوين اللازم والأدوات الديداكتيكية المناسبة. هذا الانسجام بين الجانب التنظيمي والبيداغوجي ساهم في نجاح مرحلة التعميم وتجاوز العديد من العقبات التي كانت تواجه تدريس الأمازيغية.
كما كان للمذكرة أثر إيجابي في تعزيز مكانة اللغة الأمازيغية داخل المنظومة التعليمية، حيث انتقلت من مادة اختيارية أو تجريبية إلى مادة دراسية رسمية ذات إطار تنظيمي وبيداغوجي محدد. هذا الانتقال ساهم في تعزيز ثقة المتعلمين وأوليائهم في جدوى تعلم الأمازيغية، كما عزز من انتمائهم للهوية الثقافية واللغوية للمغرب.
الخلاصة والتأثير الاستراتيجي
تعد المذكرة الوزارية رقم 116/2008 وثيقة تأسيسية في مسار تعميم تدريس اللغة الأمازيغية، حيث مثلت الانتقال النوعي من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم المنظم. من خلال إرسائها لإطار تنظيمي متكامل، وهيكلة واضحة للموارد البشرية، وتنظيم دقيق للزمن المدرسي، وبناء منهاج مبني على الكفايات، تكون المذكرة قد وضعت الأسس العملية لتعليم ناجع للغة الأمازيغية.
يمكن تلخيص إسهامات المذكرة في خمسة محاور رئيسية: أولاً، انتقال الأمازيغية من مرحلة التجريب إلى التعميم الشامل. ثانياً، تنظيم دقيق للزمن المدرسي والمنهج التعليمي. ثالثاً، فرض التكوين المستمر والتأطير البيداغوجي. رابعاً، إحداث هياكل للتنسيق والمتابعة على جميع المستويات. خامساً، شمول التعميم لكل من التعليم العمومي والخصوصي.
بمعنى آخر، تمثل هذه المذكرة الإطار التنظيمي والبيداغوجي الشامل الذي مهد لمرحلة تعميم الأمازيغية في الفترة 2009-2013 وما بعدها. نجاحها في توفير إطار عملي ومنظم جعلها مرجعاً أساسياً في تاريخ تدريس اللغة الأمازيغية، ونموذجاً للتعامل مع القضايا اللغوية والثقافية في المنظومة التعليمية بشكل مؤسساتي ومنهجي.
تحميل المذكرة الكاملة
للحصول على النص الكامل للمذكرة الوزارية رقم 116 بتاريخ سبتمبر 2008، بما في ذلك الجداول التفصيلية لاستعمالات الزمن والنماذج التنظيمية، يمكنك تحميلها مباشرة من خلال الرابط التالي:
تحميل المذكرة 116/2008الملف بصيغة PDF - حجم الملف: ~2.8MB